تزايد استخدام أدوية اضطراب فرط الحركة لدى البالغين بعد جائحة كورونا
كشفت دراسة حديثة عن زيادة ملحوظة في وصف الأدوية المخصصة لعلاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بين البالغين منذ اندلاع جائحة كورونا.
وأشار البحث إلى أن عدد الوصفات الطبية الجديدة لهذه الأدوية تضاعف أكثر من مرتين في السنوات الأخيرة، مع تسجيل أعلى المعدلات بين الشباب، وخاصة في الفئة العمرية من 18 إلى 24 عاماً. لطالما تم ربط علاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بالأطفال والمراهقين، حيث تم اعتباره اضطراباً يظهر أساساً في مرحلة الطفولة. ومع ذلك، شهدت العقود الأخيرة تحولاً في الفهم العلمي، حيث تم الاعتراف بأن العديد من الحالات تستمر حتى مرحلة البلوغ أو يتم تشخيصها لأول مرة لدى البالغين، وقد تسارع هذا التحول بشكل ملحوظ بعد جائحة كورونا، مما دفع الباحثين لدراسة هذه الظاهرة بشكل أعمق.
تهدف الدراسة كذلك إلى فهم مدى انتشار وصف الأدوية المنشطة لعلاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بين البالغين في مقاطعة أونتاريو، وتحليل الخصائص الديموغرافية للأشخاص الذين يتلقون هذه العلاجات. اعتمدت الدراسة على بيانات تمتد من يناير 2016 إلى يونيو 2024، وشملت أكثر من 327 ألف بالغ حصلوا على وصفة طبية جديدة واحدة على الأقل من الأدوية المنشطة خلال هذه الفترة.
تحسن التشخيص
تشير البيانات إلى أن بداية الجائحة شهدت انخفاضاً مؤقتاً في عدد الأشخاص الذين حصلوا على وصفات جديدة، وهو ما يعود إلى اضطراب خدمات الرعاية الصحية خلال الأشهر الأولى من تفشي فيروس كورونا، لكن هذا التراجع تبعه ارتفاع سريع في معدلات الوصفات الطبية، حتى تجاوزت الأرقام السابقة للجائحة بشكل ملحوظ. كانت الزيادة الأكثر وضوحاً بين الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 24 عاماً، حيث سجلوا أعلى معدلات وصف الأدوية المنشطة.
كما أظهرت الدراسة تغيراً في الفروق بين الجنسين، فعلى الرغم من أن معدلات وصف هذه الأدوية كانت متقاربة قبل الجائحة بين الرجال والنساء، إلا أن معدلات الوصفات ارتفعت بين النساء خلال فترة الجائحة. يرى الباحثون أن هذه النتائج قد تعكس تحسناً في التعرف على اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين، وهو اضطراب عانى تاريخياً من نقص في التشخيص، خاصة لدى النساء، حيث أظهرت الدراسات السابقة أن الأعراض لديهن قد تكون أقل وضوحاً، مما أدى إلى تأخر التشخيص حتى مرحلة البلوغ.
إلا أن الباحثين يشرون إلى أن سرعة هذا الارتفاع وحجمه الكبير يثيران تساؤلات حول آليات التشخيص وجودة التقييمات الطبية. تساهم عدة عوامل، مثل زيادة الوعي العام باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين وتحسين الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، في هذه الزيادة.
مساهمة وسائل التواصل
من المحتمل أيضاً أن تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في هذه الظاهرة، حيث بدأ العديد من المؤثرين الرقميين الحديث عن اضطراب فرط الحركة وأعراضه، مما دفع بعض الشباب للبحث عن تشخيص طبي. كما ساهمت خدمات الطب الافتراضي بعد الجائحة في تسهيل الوصول إلى تقييمات وعلاجات عبر الإنترنت، ما قد يؤدي أحياناً إلى تشخيصات أسرع وربما أقل دقة.
تشير الدراسة أيضاً إلى أن الصحة النفسية العامة خلال فترة الجائحة قد تكون عاملاً إضافياً في هذا الاتجاه، حيث أدت الضغوط الاقتصادية والعزلة الاجتماعية وزيادة الوقت أمام الشاشات إلى ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، وهي حالات قد تتداخل أعراضها مع أعراض اضطراب فرط الحركة. تظهر البيانات أن 25% من الأشخاص الذين حصلوا على وصفات جديدة للأدوية المنشطة كانوا يعانون أيضاً من القلق أو الاكتئاب، وقد يؤدي استخدام هذه الأدوية إلى تخفيف أعراض مرتبطة بهذه الاضطرابات، مما يساهم في زيادة وصفها.
كما أشار الباحثون إلى تحول في الجهات الطبية التي تصدر الوصفات، حيث شهدت النسبة المئوية للوصفات الصادرة عن الأطباء النفسيين انخفاضاً، في حين ارتفعت نسبة الوصفات المقدمة من الممارسين التمريضيين، ما يعكس تغيرات في أنماط تقديم الرعاية الصحية.
يمكن أن يكون تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين بحاجة إلى تقييم شامل ودقيق، يشمل التاريخ الطبي والنفسي، بالإضافة إلى تقييم الأعراض في سياقات متعددة من الحياة اليومية. لذا، فإن الاعتماد الكبير على تقييمات سريعة أو غير متخصصة قد يثير قلقاً بشأن دقة التشخيص.
يؤكد الباحثون على أهمية مراقبة مستمرة لاتجاهات استخدام الأدوية المنشطة وفهم العوامل التي تقف وراء هذا الارتفاع السريع، مع ضرورة تحقيق توازن دقيق بين ضمان وصول المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج إلى الرعاية المناسبة، و حماية المرضى من المخاطر الناتجة عن التشخيص غير الدقيق أو الاستخدام غير الملائم للأدوية. تعكس هذه الظاهرة تحولاً مهماً في فهم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في العصر الحديث، حيث تضافرت العوامل الطبية والاجتماعية والتكنولوجية لتشكل واقعاً جديداً في تشخيص الاضطرابات النفسية وعلاجها، مما يفرض تحديات علمية وتنظيمية يمكن التعامل معها من خلال دراسة مستمرة لضمان توفير رعاية طبية دقيقة وآمنة.