بعد اجتياحها الأسواق… «لابوبو» إلى الشاشة

سرقة متحف «غاردنر» في بوسطن… تحقيق جديد يعيد تقييم النظريات حول هوية الفاعلين

لا يُمكن إنكار أن العديد من الأشخاص تم توجيه الاتهام لهم في وقت ما بارتكاب أكبر سرقة فنية في تاريخ الولايات المتحدة، وهي سرقة متحف «إيزابيلا ستيوارت غاردنر» في بوسطن عام 1990، ففي 18 مارس (آذار) 1990، حوالي الساعة الواحدة صباحاً، حضر رجلان متنكّران بزي شرطيين إلى باب المتحف، بينما كانت المدينة هادئة بعد احتفالات «يوم القديس باتريك»، حيث قاما بتقييد الحارسين واستوليا على 13 قطعة فنية، تشمل أعمالاً لرامبرانت ويوهانس فيرمير.

على مدار السنوات التالية، تكررت النظريات حول الجهة المسؤولة عن هذه الجريمة، منها المافيا الكورسيكية، والعصابات الآيرلندية، ولصوص الفن المحترفين، بالإضافة إلى مجرمين مجهولين، ومنظمي عمليات من الداخل، وحتى «الجيش الجمهوري الآيرلندي».

جيفري كيلي، العميل في مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، الذي قضى 22 عامًا في متابعة القضية، سمع هذه الروايات وحقق في العديد منها، وفي كتابه الجديد «ثلاثة عشر هارباً مثالياً»، يقوم بتفنيد عدد من هذه الفرضيات، ويقدم تصوّره حول من يعتقد أنه الفاعل الحقيقي، رغم عدم إمكانية ملاحقتهم قضائياً.

وفيما يلي أبرز تحليلاته لبعض هذه النظريات، وروايته لما يُحتمل أنه حدث:

هل كانت المافيا الكورسيكية؟

من ضمن القطع المسروقة هناك عنصر غير معتاد: قطعة زخرفية من رأس سارية علم كانت تمثل راية الفوج الأول من الحرس الإمبراطوري لنابليون، ورغم أنها ليست من التحف القيمة، إلا أنه في عام 2006 أخبر محققون من الشرطة الوطنية الفرنسية مكتب التحقيقات الفيدرالي أنهم تلقوا معلومات عن مجموعة إجرامية كورسيكية تحاول بيع مقتنيات من المتحف.

وعلى أثر ذلك، تم إرسال عميل فيدرالي متخصص في جرائم الفن متنكراً في هيئة وسيط، ضمن تحقيق عُرف باسم «عملية التحفة»، والتي تضمنت كميناً على متن يخت، بالإضافة إلى تحركات سرية أخرى، ورغم أنها كشفت عن أنشطة إجرامية مرتبطة بالفن، يؤكد كيلي أن الكورسيكيين كانوا يكذبون، إذ لم يكن بحوزتهم أي من المسروقات.

هل لم تغادر اللوحات المتحف أصلاً؟

طرحت الفرضية بأن الأعمال لم تخرج من المتحف، بل لا زالت مخبأة داخله، ويشير كيلي إلى أن هذه النظرية، المعروفة بـ«نظرية عدم مغادرة اللوحات المتحف»، تم تداولها بكثرة، خاصة مع عدم ظهور أي أثر لتلك القطع في الأسواق أو أي مكان آخر.

يتساءل كيلي: «لماذا لم نفكر في ذلك؟»، ويضيف في الواقع، نحن فعلنا، حيث خضع المتحف في منتصف التسعينيات لأعمال تحديث تشمل نظام التهوية والتكييف، وخلال تركيب القنوات، دخلت فرق متخصصة إلى جميع زوايا المبنى، ووجدوا الغبار، لكن لم يُعثر على أي لوحات.

هل كان الجيش الجمهوري الآيرلندي وراءها؟

هناك بعض الحقائق: جيمس (وايتي) بولغر، زعيم عصابة «وينتر هيل» في جنوب بوسطن، كان له دور في تمرير الأموال والأسلحة إلى الجيش الجمهوري الآيرلندي، وفي عام 1974، قام روز دوغديل ومسلحون من الجيش الجمهوري بسرقة أعمال فنية من متحف آيرلندي في محاولة لمبادلتها لإطلاق سراح سجناء.

ومع ذلك، يؤكد كيلي أنه لا يوجد ما يدعم النظرية التي تربط الجيش الجمهوري الآيرلندي، وبولغر، بسطو «غاردنر»، فبعد فرار بولغر، وُجهت اتهامات إلى أفراد من مجموعته، وكانوا وفقاً لقول كيلي، مستعدين للتعاون مقابل تخفيف العقوبات، وعندما سُئلوا عن أعمال «غاردنر»، أكدوا أنهم لا يملكون معلومات.

هل دُفنت الأعمال في فلوريدا؟

في عام 2018، أعادت التقارير الإعلامية طرح تساؤلات حول ما إذا كانت الأعمال الفنية مدفونة في فلوريدا، في أرض استأجرها رجل متوفٍ يُقال إنه كان مرتبطاً بعالم الجريمة في أورلاندو، على الرغم من أن هذه شائعة قديمة، إلا أن مكتب التحقيقات الفيدرالي قرر التحقيق فيها.

يتساءل كيلي ساخرًا: «مَن الذي يدفن أعمالاً فنية مسروقة؟»، لكن بعد القيام بأعمال حفر، انتهت إلى خزان صرف صحي مهجور، دون العثور على أي أثر للأعمال.

هل كان ذلك الرجل الذي قال إنه نام داخل المتحف؟

برز اسم لويس رويس، مجرم من بوسطن، في مرحلة ما، حيث تلقى مكتب التحقيقات الفيدرالي معلومات بشأن مناقشاته مع شريكه لسرقة المتحف قبل حدوث السرقة. وبعد عقود، صرّح رويس في مقابلات بأنه كان يتسلل إلى المتحف في الليالي الباردة لينام تحت طاولة أثرية في الطابق الثالث، مما يشير إلى سهولة الدخول.

رغم أن رويس كان في السجن ليلة السرقة، قال لصحافي إنه يعتقد أن شركاءه خطفوا فكرته، ومع ذلك، لا يرى كيلي في رويس مصدراً موثوقاً، حيث يشكك في قصة النوم تحت الطاولة قائلاً: «حتى مراهق نحيلاً من أبناء ساوثي لا يمكنه الانزلاق تحت تلك الطاولة».

إذن… مَن نفَّذ العملية؟

وفقاً لوجهة نظر كيلي، توصل مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن السرقة نفذتها مجموعة عشوائية من رجال العصابات في بوسطن، وكان زعيمهم كارميلو ميرلينو، له علاقة بشخص قال رويس إنه أطلعه على نقاط ضعف المتحف، على الرغم من عدم وضوح ما إذا كانت تلك المعلومات هي مصدر الفكرة.

يؤكد كيلي أن ميرلينو أبلغ المحققين في التسعينيات بأنه قد يعرف من يمتلك الأعمال، رغم عدم حيازته عليها، وعُرض عليه الحماية مقابل استعادة أي من القطع، لكنه أصبح لاحقاً غير متعاون، وانتهت المفاوضات.

يشك المحققون أن اثنين من أفراد مجموعته، ليونارد دي موزيو وجورج رايسفيلدر، هما من تنكرا في زي الشرطة، نظرًا لتشابه ملامحهم مع الرسوم بناءً على إفادات الحراس، ورغم وفاة رايسفيلدر عام 1991، أقر شقيقه لاحقاً بأنه رأى إحدى اللوحات المسروقة في شقته.

في عام 2010، أفادت زوجة أحد شركاء ميرلينو بأن زوجها عرض عليها بعض الأعمال الفنية داخل سيارة في مزرعتهما بولاية مين، قبل أن ينقلها لاحقاً إلى شخص يُدعى بوبي جنتيلي من كونيتيكت، غير أن جنتيلي رفض التحدث حسبما ذكر كيلي.

على مدار السنوات، نفذ مكتب التحقيقات الفيدرالي عدة مذكرات تفتيش لمنزل جنتيلي، وفي إحدى هذه العمليات، عثر العملاء على قائمة مكتوبة بخط اليد تضم القطع الـ13 المفقودة، مع مبالغ مكافآت مدونة بجوار كل منها، لكن لم يُعثر على أي عمل فني، حتى بعد حفر أجزاء من الأرض.

توفي ميرلينو ودي موزيو، وحتى وفاته عام 2005، ظل ميرلينو يؤكد عدم معرفته بمكان الأعمال، أما جنتيلي الذي توفي عام 2021، فظل مصراً على عدم معرفته شيء عنها، دون تفسير سبب احتفاظه بتلك القائمة.

دافع محاموه عنه بشراسة لسنوات، مشيرين إلى التناقض في موقفه: رجل مريض، بحاجة للمال، عُرضت عليه الحصانة، ورغم ذلك رفض فرصة للحصول على مكافأة كبيرة، على الرغم من أن الأعمال أصبحت من الصعب بيعها. وعلق أحد محاميه عام 2015: «هل يُعقل أن يرفض 5 ملايين دولار لو كان يعلم شيئاً؟».

يعترف كيلي بأن عجز مكتب التحقيقات الفيدرالي عن استعادة الأعمال طوال السنوات الماضية أثار الكثير من الانتقادات، بعضها وُجه إليه شخصياً، حيث كتب: «لا شك أن كونك عميلاً في قضية سرقة متحف (غاردنر) هي تجربة معقدة»، مضيفاً أنه كان يُعرف أحياناً لزملائه بأنه «صاحب قضية (غاردنر)»، وغالباً ما تكون ردود الفعل مزيجاً من العبوس والتعاطف.

يرد كيلي على «المحققين الهواة» الذين يعتقدون أن العثور على الأعمال كان أمراً سهلاً، قائلاً: «إذا كنتم ترون الأمر بهذه السهولة، فاذهبوا واعثروا عليها».

حاليًا، تبلغ قيمة المكافأة المعلنة 10 ملايين دولار.

* خدمة «نيويورك تايمز»

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *