النزاع يحاصر التعليم في لبنان وتعمّق الفجوة بين الطلاب

مع تحول عدد كبير من المدارس اللبنانية إلى مراكز رئيسية لإيواء النازحين مباشرة بعد اندلاع الحرب، يجد التعليم نفسه أمام تحديات استثنائية تهدد استمراريته، فبين الصفوف التي أُقفلت وتحولت إلى أماكن نوم لمئات آلاف الأشخاص، وأخرى تحاول البقاء رغم المخاطر الأمنية والضبابية التي تفرضها الأوضاع الحالية، يواصل القطاع التربوي جهوده للحفاظ على الحد الأدنى من العملية التعليمية، وسط إصرار بعض الأهالي على متابعة تعليم أبنائهم رغم عجز آخرين بسبب النزوح والظروف القاسية.
مئات المدارس والمعاهد تحت تصرف «هيئة الكوارث»
وضعت وزارة التربية 1156 مدرسة وثانوية و75 معهداً رسمياً تحت تصرف هيئة الكوارث، منها 334 مدرسة وثانوية رسمية و40 معهداً مهنياً و17 مركزاً تابعاً للجامعة اللبنانية، وأوضحت مصادر الوزارة أنه لم يتم بعد إشغال جميع هذه المراكز، حيث يتم اعتماد مركز جديد حسب الحاجة.
كما شكلت الوزارة خلية أزمة تربوية تجتمع يومياً لمتابعة المستجدات واتخاذ القرارات اللازمة في هذه المرحلة، علماً بأنها عمّمت خطة واضحة على المدارس الخاصة والرسمية منذ الأسبوع الأول للحرب، تقوم على ترك القرار لإدارة كل مدرسة في اعتماد التعليم الحضوري أو عن بُعد، مع اعتماد مقاربة تعليمية مرنة تناسب أوضاع بعض التلامذة الذين يتعذر حضورهم.
الدراسة بين الحضوري و«عن بُعد»
استؤنف التعليم بعد أيام من انطلاق الحرب في المدارس الواقعة في مناطق آمنة، أي المناطق غير المعرضة مباشرة للأعمال العدائية، بينما تركت هذه المدارس خيار التعليم عن بُعد لتلاميذها غير القادرين على الوصول، أما معظم المدارس في المناطق غير الآمنة فتعتمد نظام التعليم عن بُعد حصراً.
بدورها، قررت إدارة الجامعة اللبنانية اعتماد التدريس عن بُعد في جميع وحداتها وفروعها ومراكزها، وتم تأجيل الانتخابات الطلابية المقررة في السابع والعشرين من هذا الشهر.
المساواة بين الطلاب
تختلف وجهات نظر الأهالي بشأن الوضع التعليمي الحالي، حيث يعتبر بعضهم أن القرارات المتخذة من قبل الوزارة لا تحترم مبدأ المساواة في الوصول إلى التعليم، بالنظر إلى أن العديد من الطلاب يعيشون في مراكز إيواء وفي ظروف لا تسمح لهم بمتابعة التعليم حتى عن بُعد، بينما يرفض قسم كبير من الأهالي حرمان أطفالهم من التعليم طالما أنهم في مناطق آمنة.
الانقسام السياسي في لبنان ينعكس أيضاً على مواقف الأهالي، حيث تقول سيدة من منطقة بصاليم (محافظة جبل لبنان) وهي أم لولدين: «الدولة اللبنانية لم تقرر الحرب لنتحمل تبعاتها، هناك حزب مسلح قرر تهجير بيئته وتدمير البلد، ولن نقبل بذلك وسنقاوم بطريقتنا بتعليم أولادنا لبناء أجيال أكثر وعياً لا تهوى الحروب»، وتضيف: «لقد أثبت التعليم عن بُعد عدم جدواه خلال أزمة (كورونا) بشكل خاص للأطفال دون العشر سنوات».
على الجانب الآخر، تقول سيدة نازحة تعيش مع أطفالها الأربعة في مدرسة في العاصمة بيروت، إن من يصر على فتح المدارس بينما يتعرض القسم الأكبر من البلد للحرب إنما يظلم عشرات آلاف الطلاب الذين يعيشون حالة نفسية صعبة جداً بسبب التهجير، وتتابع: «لا نستطيع تأمين الأمان والطعام لأطفالنا، فكيف نتحدث عن التعليم؟» وتضيف بأن الحرب أثبتت أن لا منطقة آمنة في البلد بأسره.
حيرة المدارس
تواجه إدارة إحدى المدارس الخاصة الكبيرة في منطقة بعبدا، القريبة من الضاحية الجنوبية لبيروت، حالة من الحيرة منذ بدء الحرب، فقامت بفتح أبوابها ليومين بعدما أغلقت لنحو 10 أيام، حيث تقول إحدى المسؤولات: «الوضع حساس جداً ونتجنب تعريض تلامذتنا للخطر، خاصة أن بعضهم يأتي من مناطق قريبة من الضاحية، كما أنه لم يعد بالإمكان تصنيف المناطق على أنها آمنة بالكامل»، وتضيف: «نقوم بتقييم الوضع يومياً وعندما نفتح الصفوف نحاول تقليل حدة صوت الغارات عن طريق وضع موسيقى هادئة، فغالبية التلاميذ صاروا يدركون ما يجري بعد أن أعدهم الأهالي لاحتمالية سماع دوي الانفجارات».
تصف لمى الطويل، رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة، الوضع التعليمي الحالي بـ«الضبابي»، وتؤكد أن خطة وزارة التربية لاستكمال العام الدراسي جيدة ومرنة، مشددة على أهمية التطبيق الفعلي.
تشير الطويل إلى أنه لا يمكن حرمان أي طفل قادر على الوصول إلى التعليم، لذا يجب تصنيف المناطق إلى آمنة أو شبه آمنة، بحيث تكون مهمة وزارة الداخلية بعد التطورات الأخيرة. وتعتبر أنه رغم تحديات war، يبقى التعليم الحضوري الأفضل لمن يستطيع الوصول إليه، وإن التعليم عن بُعد خيار لابد منه، على الرغم من أنه ليس متاحاً للجميع وفاعليته محدودة.
توضح الطويل أنه لا يزال هناك حوالي 40 يوماً تعليمياً، وفي حال استمرت الحرب لفترة أطول يمكن تمديد العام الدراسي، وتختتم بالقول: «في خضم كل هذه التحديات، نعول على أن تكون إدارات المدارس مرنة بتقديم الدعم للأهالي، لأننا لا نواجه فقط وضعاً أمنياً صعباً بل أيضاً ظرفاً اقتصادياً متأثراً جراء الحرب».