مبادرة لتجديد المناهج التعليمية تُعدّ لعقد مؤتمر مائدة مستديرة حول التعليم

أمستردام: 17 مارس 2026: راديو دبنقا
تُعَد المبادرة الشعبية للتعليم “مشت” في صدد تنظيم مؤتمر مائدة مستديرة حول التعليم، حيث يهدف إلى إتاحة حوارٍ شامل بين الخبراء والمختصين ومختلف المعنيين، من أجل وضع منهج تعليمي حديث يلبي احتياجات المجتمع، ويتماشى مع التطورات العلمية والتقنية في هذا القرن، ومن المتوقع أن يُعقد المؤتمر في مايو القادم، حسب المؤشرات المتاحة.
في هذا السياق، أجرى راديو دبنقا مجموعة من الحوارات مع عدد من أعضاء المبادرة، للحديث عن أهمية مراجعة المنهج التعليمي والتوصل إلى منهج جديد كلياً.
قال الأستاذ عبدالسلام حسين في حديثه لراديو دبنقا، إن تطوير المناهج يُعتبر من القضايا الأساسية في العملية التعليمية حالياً، خصوصاً في ظل الآثار السلبية التي تركتها الحرب على قطاع التعليم، مثل إغلاق العديد من المدارس، ونزوح الطلاب والمعلمين، وتوقف تطوير المناهج والمشروعات التعليمية، فضلاً عن تدمير البنية التحتية للقطاع التعليمي في مناطق عديدة من السودان.
وأشار إلى أن بناء مناهج جديدة يتطلب وضع سياسات تعليمية تراعي التنوع الثقافي والاجتماعي في السودان، مما يستلزم التعاون المهني والمتخصص من جميع القطاعات المرتبطة بهذا المجال، وكذلك من جميع المعنيين، بهدف خلق نظام تعليمي مستقر ومتطور وشامل لكافة الطلاب في السودان.
وأكّد عبدالسلام على ضرورة تحقيق السلام والاستقرار في السودان، كخطوة أولى نحو الاتجاه نحو تنمية عملية تسهم في صياغة سياسات تعليمية جديدة تتجاوب مع الأزمات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه البلاد.
استيعاب التنوع وتوظيفه
كما أبرز عبدالسلام حسين أهمية إعادة النظر في المناهج السابقة، والانتقال إلى مناهج تعتمد على المعايير بدلاً من المركزية التي لا تعكس التنوع الثقافي والاجتماعي في السودان، مما سيسمح بتخريج أجيال جديدة قادرة على إحداث تغيير سياسي واستقرار اجتماعي من خلال التعليم.
وأوضح أن وجود مناهج تعليمية مرنة سيمكّن الطلاب من المساهمة بفاعلية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المستقبل، ورغم التحديات الكبيرة الناتجة عن الحرب، فإن الوضع الحالي قد يُعتبر فرصة كبيرة لوضع استراتيجية جديدة للتنمية، تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للسكان.
وأشار عبدالسلام إلى أن إعداد وتنفيذ المنهج الجديد يتطلب أيضاً التأهيل والتدريب الشامل للمعلمين، مع ضرورة التنسيق مع كليات التربية لتأدية دورها في تأهيل المعلمين وتزويدهم بالمهارات اللازمة لتطبيق المنهج، مؤكداً أن هذه مهمة كبيرة ومعقدة ومكلفة، تحتاج إلى تضافر الجهود من جميع المعنيين لبناء نظام تعليمي جيد وعادل، يأخذ بعين الاعتبار الجذور التاريخية للصراع في السودان واحتياجات المستقبل.
المنهج ليس المقررات
من جانبه، أفاد الأستاذ علي سعيد إبراهيم، المختص في المناهج، أن المناهج في جميع الدول تحتاج إلى مراجعات تتماشى مع التطورات التقنية والمعرفية، ما يستدعي من المسؤولين اتخاذ خطوات لإزالة بعض المحتويات وإضافة أخرى جديدة، وتعديل طرق التدريس بما يتماشى مع هذه التطورات، كما حدث مع ظهور الإنترنت الذي غيّر جوانب عديدة من العملية التعليمية.
وأوضح أن المنهج الرئيسي في السودان، المُعَد من قبل الاستعمار، كان يهدف إلى إعداد عمال مهرة لصالح الجيش البريطاني والكُتّاب والمحاسبين للعمل في الوظائف الحكومية، حيث كانت العملية التعليمية تميز بين أبناء زعماء القبائل والزعامات الدينية، الأمر الذي أسهم في الحفاظ على المنهج القديم وتشكيل البنية الاجتماعية.
وأكد علي سعيد أن المنهج لا ينحصر في المقررات الدراسية، بل يشمل النظام التعليمي بشكل عام، من الأسس والأهداف إلى المحتوى والأنشطة وأدوات القياس والتقييم، لافتًا إلى أن المنهج القديم كان يعتمد على الحفظ والتلقين، مما يضعف التفكير النقدي وقدرة الطلاب على التعامل مع التحديات العملية.
كما أشار إلى أن المنهج العصري يهدف إلى تطوير الإنسان من كافة جوانبه العقلية والجسدية والوجدانية، موضحًا ضرورة ربط المدرسة بالمجتمع وإشراك المجتمع في بناء المؤسسات التعليمية، مما يتطلب تعاون كل من المعلمين والتربويين وأولياء الأمور وأصحاب الأعمال.
وأضاف علي سعيد أن المنهج المحوري يشمل مواد دراسية عامة مثل الرياضيات والعلوم واللغات، مع إمكانية تضمين مواد تتعلق بخصوصيات كل منطقة، مثل الدراسات البحرية في بورتسودان أو مجالات الزراعة وتربية الحيوان، بما يعكس التنوع البيئي والاجتماعي في السودان.
وأشار إلى أن المؤتمر المزمع عقده في مايو، سيجمع تخصصات مختلفة ليوفر نقاشاً علمياً وعملياً يخدم مستقبل التعليم والأجيال القادمة.
التخلص من عامل الخوف
تحدثت راديو دبنقا أيضًا إلى الأستاذة درية محمد بابكر، عضوة المكتب التنفيذي للجنة المعلمين، التي أكدت أن التعليم هو قضية مجتمعية، وهو أساس تقدم الدول، مشيرة إلى أن المبادرة تهدف إلى توحيد الجهود لتغيير النظام التعليمي الحالي، وأن تغيير المناهج يتطلب أيضًا تغيير الواقع ومستقبل الأجيال المقبلة.
وبيّنت أن المبادرة تشمل مجموعة كبيرة من الكيانات المهنية والشخصيات التعليمية والخبراء، وتهدف إلى بناء إنسان سوداني عصري متكامل عقليًا وجسديًا ووجدانيًا، موضحة أن المنهج العصري لا يقتصر على إدخال تقنيات جديدة فقط، بل يستدعي تغيير رؤى التعليم والتحول من التعليم القائم على الحفظ إلى التعلم القائم على الفهم والتحليل والإبداع، لتأهيل شخص قادر على التفكير النقدي وحل المشكلات.
وأكدت درية على أهمية ترسيخ قيم التواصل الفعّال، والعمل الجماعي، واحترام الآخر، بما يسهم في بناء إنسان متوازن من حيث القيم والهوية، وضرورة ربط التعليم بسوق العمل وإدخال المهارات اللازمة للقرن الحادي والعشرين.
وأشارت في ختام حديثها إلى ضرورة إعادة تأهيل المعلمين وتغيير الصورة النمطية لهم، من مصدر خوف إلى عنصر دعم ومحبة، بناءً على النظريات التربوية الحديثة، التي تؤكد أن التعلم الفعّال يعتمد على العلاقة الإيجابية بين المعلم والطالب، مشددة على ضرورة شعور الطلاب بقيمتهم وأهمية وجود بيئة تعليمية تحترم الفروق الفردية، مما يتيح لكل طالب التعبير عن نفسه دون خوف.
محاور النقاش المقترحة من قبل المبادرة:
- الجلسة الأولى: تركز على الفلسفة والأهداف العامة للمناهج، وتسعى لإعداد وثيقة وطنية لمناهج التعليم العام.
- الجلسة الثانية: تُفتح حواراً حول محتوى المناهج، وتسعى لوضع الرؤية والأهداف الخاصة بالمنهج.
- الجلسة الثالثة: تتناول طرق وأساليب التدريس وإعداد المعلم العصري، وتسعى لوضع خطة لتطوير أساليب التعلم.
- الجلسة الرابعة: تتعلق بالقياس والتقييم، وتناقش مراجعة نظام التقييم بهدف تطوير نظام شامل وعادل.