عندما تتحول كرة القدم إلى هوس جماعي - وكالة البوصلة الإخبارية

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عندما تتحول كرة القدم إلى هوس جماعي - وكالة البوصلة الإخبارية, اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2026 09:22 مساءً

في كل مرة تُقام فيها بطولة كبرى، يبدو العالم وكأنه يضغط زر الإيقاف لكل شيء، ثم يعلن حالة استنفار من أجل كرة القدم. تتغير نشرات الأخبار، وتتحول الصفحات الأولى للصحف إلى ساحات تحليل رياضي، وتُرصد مليارات الدولارات للملاعب والاحتفالات وحقوق البث ورواتب اللاعبين، بينما تتراجع قضايا أكثر إلحاحًا إلى الصفوف الخلفية.

 

السؤال الذي يفرض نفسه ليس: لماذا نحب كرة القدم؟ فهذا أمر مفهوم. ولكن السؤال الحقيقي هو: متى تحولت اللعبة إلى هوس جماعي يجعلها تتقدم على العقل والمنطق وأحيانًا على مصلحة الإنسان نفسه؟.

 

لم تعد كرة القدم مجرد تسعين دقيقة من المتعة، بل أصبحت صناعة عالمية تحقق أرباحًا خيالية، وتغذيها شركات الإعلانات، ومنصات البث، ورعاة البطولات، حتى أصبح المشجع في كثير من الأحيان مستهلكًا لعاطفة تُدار باحتراف، أكثر منه متابعًا لرياضة.

 

والمؤسف أن هذا الهوس لا يتوقف عند حدود التشجيع، بل يمتد إلى التعصب والكراهية والعنف. كم من مباراة انتهت بمشاجرات؟ وكم من أسرة فقدت ابنًا بسبب شغب الملاعب؟ وكم من صداقات وعلاقات تمزقت بسبب انتماء لنادٍ أو منتخب؟ بل إن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت في أوقات كثيرة إلى ساحات للسباب والتنمر والتحريض، وكأن نتيجة مباراة أصبحت قضية حياة أو موت.

 

وفي المقابل، تنفق دول مليارات على تنظيم البطولات واستضافة المباريات، بينما تعاني قطاعات مثل التعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية من احتياجات لا تقل أهمية. صحيح أن الرياضة استثمار اقتصادي وسياحي، لكن السؤال يبقى قائمًا: هل أصبح الإنفاق على كرة القدم يتجاوز حدود التوازن؟

 

الأكثر غرابة أننا في مصر نختزل الرياضة كلها في كرة القدم، رغم أن سجل الإنجازات يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

 

فمن الذي رفع علم مصر على منصات التتويج الأولمبية؟ لم يكن لاعبو كرة القدم، بل أبطال ألعاب فردية قاتلوا في صمت.

 

فريال أشرف صنعت التاريخ بحصولها على أول ذهبية أولمبية مصرية في الكاراتيه. وسارة سمير أثبتت أن رفع الأثقال المصري قادر على منافسة العالم، بينما واصل محمد إيهاب كتابة اسمه بين كبار اللعبة عالميًا. وفي الإسكواش، فرضت مصر هيمنتها لسنوات عبر أبطال مثل نور الشربيني وعلي فرج ونوران جوهر ومصطفى عسل، حتى أصبحت القاهرة عاصمة غير معلنة للإسكواش العالمي.

 

هذه الإنجازات لم تأتِ نتيجة ضجيج إعلامي أو عقود بمئات الملايين، بل جاءت بجهد وإصرار وإيمان بالحلم.

 

المفارقة المؤلمة أن اللاعب الذي يحقق لمصر ميدالية أولمبية قد لا يعرفه كثيرون، بينما يعرف الجميع اسم لاعب كرة لم يحقق أي بطولة قارية أو عالمية. هنا تكمن الأزمة، ليست في كرة القدم، بل في طريقة إدارتنا للاهتمام الرياضي.

 

لسنا ضد كرة القدم، فهي لعبة جميلة تستحق مكانتها، لكننا ضد أن تتحول إلى المعيار الوحيد للنجاح الرياضي، وضد أن يختزل الإعلام والتمويل والجماهير الرياضة كلها في مستطيل أخضر.

 

إن الدول التي تصنع أبطالًا أولمبيين لا تبني الملاعب فقط، بل تبني الإنسان. وتدعم كل موهبة، مهما كانت لعبتها، لأنها تدرك أن الميدالية الذهبية ليست أقل قيمة من كأس بطولة، وأن بطلًا أولمبيًا يصنع تاريخًا للوطن لا يقل عن أي نجم كرة قدم.

 

ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا: هل نريد مجتمعًا يشجع الرياضة.. أم مجتمعًا يعيش أسيرًا لكرة القدم؟

 

الفرق بين السؤالين هو الفرق بين أمة تستثمر في الإنسان، وأمة تكتفي بالاحتفال بالنتائج.

 

فالرياضة ليست 22 لاعبًا يطاردون كرة، بل منظومة تصنع الإنسان، وتبني الشخصية، وترفع علم الوطن. وعندما يصبح اهتمامنا برياضة واحدة على حساب عشرات الألعاب التي تصنع الأبطال وتحصد الذهب، فإن المشكلة ليست في كرة القدم، بل في طريقة تفكيرنا. فالرياضة الحقيقية لا تقاس بعدد الجماهير في المدرجات، وإنما بعدد الأبطال الذين نصنعهم، وعدد القيم التي نغرسها، وعدد الإنجازات التي ترفع اسم مصر على منصات التتويج.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق