استراتيجيات السعودية لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

بينما تشتعل حروب إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تجد المملكة العربية السعودية نفسها في قلب تحولات جيوسياسية غير مسبوقة منذ عقود. لم تعد الرياض تكتفي بدور الحليف التقليدي المراقب، بل تعمل على رسم مسار معقد يدمج بين إنشاء تحالفات دفاعية إقليمية جديدة والمفاوضات الدبلوماسية مع طهران، بهدف إعادة تعريف مفهوم “الأمن القومي” والابتعاد عن الاعتماد الكلي على الحماية الأمريكية، بالتزامن مع تزايد الأصوات في الخليج التي تتحدث عن فشل هذه الحماية في صد الهجمات الإيرانية.
الرياض وطهران.. تهدئة قاسية فوق جراح عميقة
عانت العلاقات بين الدولتين من تدهور حاد منذ قطع الدبلوماسية عام 2016، بعد الاعتداء على السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد. كما زادت هجمات أرامكو في بقيق وخريص في سبتمبر 2019 من تفاقم الأوضاع، حيث عطلت نصف إنتاج النفط السعودي وهزت أسواق الطاقة العالمية. ورغم نفي طهران لأي ضلوع في الهجمات، تشير التقييمات الاستخباراتية الأمريكية إلى احتمال انطلاق الهجمات من الأراضي الإيرانية، مما زاد من قلق الرياض حول حماية بنية الطاقة.
ومع ذلك، جاء التحول الأبرز في مارس 2023 بإعلان طهران والرياض عن استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات، عبر اتفاق رعته الصين بعد جهود وساطة عراقية وعمانية. هذا الاتفاق أعاد تفعيل تفاهمات أمنية قديمة وفتح قنوات اتصال مباشرة، مما خفف من حدة الهجمات التي يشنها الوكلاء في اليمن والبحر الأحمر. ورغم ذلك، لم يغير الاتفاق جوهر التنافس الاستراتيجي بين البلدين، بل أطار الأمر مؤقتاً ضمن إطار “إدارة التنافس” بدلاً من التصعيد المفتوح.
التحالف السعودي-الأمريكي: مظلة أمنية مثقوبة؟
منذ البداية، تم تأسيس التحالف السعودي-الأمريكي على معادلة تقوم على ضمان أمن المملكة واستقرار الخليج مقابل تدفق النفط إلى الأسواق العالمية وشراء الأسلحة الأمريكية. لكن السنوات الأخيرة كشفت عن هشاشة هذه المعادلة، إذ شكلت هجمات 2019 على بقيق وخريص علامة فارقة في النظر إلى تلك المظلة. ورغم تصريحات الرئيس ترامب آنذاك حول قدرة بلاده على الرد، انتهت الأزمة بإجراءات ردع محدودة، مما أثار استياء في الأوساط السياسية السعودية. وأثارت تلك الأحداث تساؤلات حول فعالية “عقيدة كارتر” التي تضمن الالتزام الأمريكي بحماية الخليج.
وقد أشار تقرير معهد كوينسي إلى أن السعودية باتت، جنباً إلى جنب مع قطر، تنظر إلى المظلة الأمريكية على أنها غير موثوقة. كما رصدت تحليلات أخرى تحولاً شاملاً في الموقف السعودي نحو إعادة تقييم أمني عميق. وقد كشفت تقارير أخرى عن وجود استياء متزايد في العواصم الخليجية من الحماية الأمريكية، مع تسليط الضوء على الآثار الاقتصادية والأمنية المترتبة على الصراعات الإقليمية.
تحالفات جديدة في الإقليم
في ظل الحرب الحالية وحدود الحماية الأمريكية، تسعى الرياض لإنشاء نظام دفاعي إقليمي جديد يرتكز على تحالفات إسلامية واسعة. ومن بين التحالفات التي تبرز هو “المحور التركي-الباكستاني-السعودي”، الذي يهدف إلى دمج القدرات العسكرية والمالية بين الدول الثلاث. يفترض هذا التحالف أنه ترتيب دفاعي ولا يسعى الصراحة لمواجهة إيران، لكنه يعكس قلق المملكة من التعزيزات العسكرية الإيرانية.
في المقابل، يشير التقارب المصري-السعودي إلى تركيز على الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة، فيما تدير القاهرة الملف الإيراني بعناية ضمن سياقات معقدة تشمل دول أخرى مثل إسرائيل وتركيا. وبالتالي، تمثل هذه الشراكة بالنسبة للسعودية ضماً للعمق العربي وتعزيزاً للدور الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
استراتيجية متعددة الأحلاف
يبقى سؤال بارز: هل تمثل التحالفات السعودية الجديدة بدائل استراتيجية حقيقية للتعاون مع الولايات المتحدة؟ تجيب التحليلات أن الرياض لا تسعى لفك التعاون مع واشنطن، بل ترفع من مستوى اعتمادها على شركاء آخرين مع الحفاظ على الاستثمارات في مجال الدفاع. ويُظهر ذلك مسعىً لتحقيق توازن أكثر في معادلات الأمن الإقليمي.
في هذا السياق، حذر زعماء الخليج من مغبة أي تصعيد ضد إيران، مشيرين إلى الآثار الأمنية والاقتصادية الواسعة التي قد تترتب على ذلك. إذ نشهد الآن شبح انعدام الثقة يتزايد مع كل أزمة جديدة، في وقت يستمر فيه القلق حول مدى جدوى التحالفات الحالية.
التكاليف الاقتصادية للحرب
لا تقتصر التكلفة على الشأن العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد أيضاً. فقد أعلنت بعض الشركات عن تعيينات بشأن عملياتها، خصوصاً في مجال الغاز الطبيعي، نتيجة للهجمات الإيرانية. كما تأثرت الشبكات الجوية بشدة نتيجة للصراعات، مما أدى إلى إلغاء العديد من الرحلات. وعبر التوجهات الاقتصادية، يُحذر من أن استمرار التوترات في المنطقة سيؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط، مما يهدد رؤية المملكة 2030.
الرؤية المستقبلية للسعودية
من خلال هذه الأحداث، تسعى الرياض إلى تحقيق ثلاثة أهداف متوازية: تقليص استهدافها المباشر، وضمان عدم الانزلاق إلى حرب دون شبكة حماية قوية، والحفاظ على استقلالية كافية عن سياسات واشنطن. تحمل هذه التحولات دلالة على صدمة عميقة في الثقة بالمظلة الأمريكية، حيث تحاول السعودية توزيع المخاطر بين الأطراف المتضاربة بدلاً من تحمل التبعات بشكل منفرد. إلا أن موقعها الجغرافي والجيوسياسي يُبرز التعقيدات التي تواجهها، مما يشير إلى مستقبل محفوف بالتحديات والمخاطر.