متى يصدّقون أن القرار بات بأيديهم؟ - وكالة البوصلة الإخبارية

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
متى يصدّقون أن القرار بات بأيديهم؟ - وكالة البوصلة الإخبارية, اليوم الأحد 2 أغسطس 2026 12:29 مساءً

من أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة سواء كانت حزباً أو تنظيماً جهادياً، وغيرهما من الحركات، أن تتحوّل الدعاية التي صنعتها إلى واقعٍ تؤمن به هي نفسها. فالدعاية وُجدت للتأثير في الآخرين، لكنّها تصبح عبئاً قاتلاً عندما يفقد صانعها القدرة على الفصل بين الخطاب والواقع، وبين التعبئة والحقائق. وهذا تماماً ما حدث مع "حزب الله" في علاقته بإيران، وفي مقاربته فكرة "التوازن الاستراتيجي" مع إسرائيل.

على مدى عقود، عملت إيران على رسم صورة لمحورها باعتباره قوّةً قادرة على ردع إسرائيل وفرض معادلات جديدة في المنطقة. وكان هذا الخطاب جزءاً من مشروع سياسي وعقائدي هدفه توسيع النفوذ الإيراني، وشدّ عصب البيئات الحاضنة لأذرعها، وتقديم مشروع "المقاومة" على أنه مشروع يحقّق الانتصارات بصورة دائمة.

ثم جاءت اللحظة التي خرجت فيها هذه الرواية من إطار التعبئة لتتحوّل إلى قناعة راسخة لدى أصحابها، تعزّر الالتزام العقائدي والارتهان الكامل للمشغّل الايراني. اقتنع "حزب الله"، وأُجبر على الاقتناع، بأنّه أصبح قادراً على إقامة توازن استراتيجي مع واحدة من أقوى القوى العسكريّة في العالم، وأن معادلات الردع التي يعلنها في خطاباته تكفي لتغيير موازين القوى على الأرض. ومع مرور السنوات، لم يعد "حزب الله" يروّج لهذه السرديّة فقط، وإنما أصبح أسيرها، يتخذ قراراته من داخلها وينظر إلى الواقع من خلالها.

في لبنان، فقد تجاوزت المشكلة حدود "حزب الله" نفسه. فجزء من الطبقة السياسية، وبعض من يتولّون اليوم مواقع مهمّة في تركيبة الشرعيّة، ما زالوا يتعاملون مع تلك السرديّة كأنها حقيقة قائمة، رغم التحوّلات الكبيرة التي شهدها لبنان والمنطقة. ويستمرّ هذا الاعتقاد في إنتاج قناعة مفادها أن "حزب الله" لايزال يمتلك "قدرة ردع" تمنع الدولة من اتخاذ قرارات سياديّة، وأن أي محاولة لإنهاء واقع السلاح غير الشرعي ستقود حتماً إلى مواجهة لا يمكن تحمّل نتائجها.

هذا التفكير يفسّر جانباً من التردّد الذي نشهده، ويشرح سبب الإحجام عن اتخاذ خطوات عمليّة كانت تبدو مستحيلة في الماضي، فيما أصبحت ظروفها مختلفة اليوم. فالقرارات في هذه الحالة لا تُبنى على الوقائع وحدها، وإنما تتأثر أيضاً بالصورة الذهنية التي يحملها أصحاب القرار. وعندما تكون هذه الصورة امتداداً لدعايةٍ قديمة، يصبح التردّد نتيجة كارثية، حتى لو تغيّرت الوقائع بالكامل.

الدعاية التي صنعها "حزب الله"، لم تكتفِ بإقناع الجمهور، وإنما رسمت حدوداً للتفكير، وخلقت شعوراً عند بعض المتردّدين بأن الممكن مستحيل، وأن موازين القوى ثابتة مهما تبدّلت الظروف. وهنا تكمن خطورتها الحقيقية.

من هنا، تبدأ استعادة القرار بتحرير العقول المتردّدة من الإرث الذي خلّفته سنوات طوال من التعبئة السياسية والإعلامية، أو ربما تحرير المواقع من المتردّدين. فالوقائع الجديدة تستدعي قراءةً جديدة، بعيداً من الصوَر التي صنعتها دعاية الممانعة، وبعيداً من الالتزامات النفسيّة والسياسية التي تراكمت خلال العقود الماضية.

وحين يسقط هذا الوهم، يصبح من الأسهل الاعتراف بأن ما سُمّي "توازناً استراتيجياً" لم يكن سوى سرديّة وهم، ولم تكن توصيفاً دقيقاً للواقع.

إذا كانت موازين القوى قد تبدّلت، وإذا كانت الدولة تملك اليوم فرصةً لم تكن متاحة في السابق، فما الذي يمنع أصحاب القرار من التصرّف على الأرض على هذا الأساس؟ ومتى يقتنعون بأن القرار بات بأيديهم، وأن أخطر ما يقيّدهم لم يعد السلاح وحده، وإنما الخوف الذي تركته سنوات طوال من الدعاية في عقولهم؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق