نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مدعٍ معزول وعقوبات ودول تنسحب... هل دخلت "الجنائية الدولية" مرحلة التفكك؟ - وكالة البوصلة الإخبارية, اليوم الاثنين 3 أغسطس 2026 03:30 مساءً
وبقدر ما هزّت الواقعة مصداقية قيادة المحكمة، فإنها تكشف أيضاً قدرة منظومة روما على محاسبة مسؤوليها، ولا تمثل بذاتها دليلاً على انهيار المؤسسة. وإلى حين انتخاب خلف لخان، يتولى نائبا المدعي العام إدارة المكتب، فيما يستمر عمل تحقيقات المحكمة، وتظل أوامر القبض نافذة.
عقوبات أميركية
تتجاوز الضغوط الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية الخلاف الدبلوماسي. فمنذ إدراج خان على قائمة العقوبات في فبراير/شباط 2025، امتدت التدابير إلى نائبيه وقضاة ومتعاونين مع المحكمة.
ووفق تقرير للتحالف من أجل المحكمة الجنائية الدولية، استند إلى 45 مقابلة، أُغلقت أو جُمّدت حسابات مصرفية، وتعذر على مستهدفين إجراء تحويلات أو حجز رحلات وفنادق، بينما قُيّد الوصول إلى خدمات رقمية أساسية. كما حالت العقوبات دون حضور خان جلسة عزله في نيويورك.
وهكذا تتحول الهيمنة الأميركية على شبكات الدفع والتكنولوجيا من أداة ضغط على أفراد إلى خطر واسع يطال المؤسسات الدولية. إذ لم تعد المشكلة في أفراد فُرضت عليهم العقوبات اليوم، بل ما قد تحجم المصارف والشركات والشهود والمنظمات عن فعله مستقبلاً خوفاً من العقاب.
فك ارتباط مؤسسي
ثمة أضرار أخرى أصابت المحكمة الجنائية الدولية، فوفق سجل المعاهدات الأممي، أخطرت النيجر الأمم المتحدة بانسحابها في 18 حزيران/يونيو 2026، ولحقت بها مالي وبوركينا فاسو في 24 حزيران، على أن تصبح الانسحابات نافذة في حزيران 2027.
ويقول عثمان ديالو، الباحث في شؤون الساحل بمنظمة العفو الدولية، لـ"النهار" إن العوامل السياسية تهيمن على الاعتبارات القانونية وراء القرار. فقد استدعت الحكومات الثلاث خطاباً إفريقياً قديماً يعتبر المحكمة أداة "للعدالة الانتقائية" واستهداف الجنوب العالمي.
لكن ديالو يشير إلى أن المحكمة فتحت تحقيقاً في مالي وحدها، وأن المتهمين الذين حاكمتهم ينتمون إلى الجماعات المسلحة التي سيطرت على شمال البلاد، لا إلى الحكومات الثلاث. لذلك يضع الانسحاب ضمن مسار أوسع لفك الارتباط بالمؤسسات الدولية والإقليمية، مع احتمال سعي السلطات إلى تحصين قواتها وحلفائها من تحقيقات مستقبلية في انتهاكات محتملة.
وفي 24 تموز/يوليو، أعلنت فنزويلا أنها أخطرت الأمم المتحدة بقرار "لا رجعة فيه" للانسحاب، متهمة المحكمة بالانحياز ضد الجنوب العالمي، وإن لم يكن إخطارها مدرجاً في السجل الأممي حتى 28 تموز/يوليو.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة، إذ تحقق المحكمة، ضمن ملف "فنزويلا 1"، في جرائم مزعومة ضد الإنسانية، يُشتبه في تورط مسؤولين مدنيين وعناصر من قوات الأمن وموالين للحكومة في ارتكابها منذ نيسان/أبريل 2017 على الأقل، فيما اعتبرت بعثة تقصي الحقائق الأممية أن الخطوة تعزز الإفلات من العقاب.
الضحايا يدفعون الثمن
بحسب ديالو، تعاني الأنظمة القضائية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو قيوداً في القدرة والاستقلال، خصوصاً حين تتعلق الاتهامات بقوات حكومية أو حلفائها. كما يضيّق الخروج من الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" الوصول إلى محكمتها، بينما لا تزال المحكمة الجنائية التي اقترحها تحالف دول الساحل موجودة "على الورق"، بلا نظام أساسي معلن أو قضاة أو ميزانية واضحة.
وفي مالي، يثير تراجع التعاون مخاوف حيال تنفيذ مذكرة توقيف إياد أغ غالي واستكمال تعويضات ضحايا قضيتي المهدي والحسن. ويحذر ديالو من أن المساحة المتاحة للضحايا أمام المحاكم المحلية أصبحت "ضيقة للغاية"، مع الضغط على القضاء والمجتمع المدني واحتمال الانتقام من الشهود.
ويرى أن الأولوية خلال مرحلة الانسحاب هي تأمين ملفات القضايا، ورقمنة الشهادات، وحماية الضحايا والشهود، ومواصلة بناء سجل موثوق للانتهاكات يمكن استخدامه مستقبلاً أمام محكمة وطنية أو إقليمية أو دولية.
الاختصاص لا يسقط
وفقاً للمادة 127 من نظام روما، لا يؤدي انسحاب دولة إلى إسقاط القضايا القائمة أمام المحكمة. فالانسحاب لا يصبح نافذاً إلا بعد عام من تسلّم الإخطار، ولا يعفي الدولة من الالتزامات التي نشأت أثناء عضويتها، أو يمس واجبها في التعاون مع التحقيقات والإجراءات التي بدأت قبل نفاذه.
وبذلك، تظل الجرائم المرتكبة خلال فترة العضوية خاضعة للاختصاص الزمني للمحكمة، وتبقى التحقيقات المفتوحة في مالي قائمة، كما لا يؤدي انسحاب فنزويلا إلى إغلاق تحقيق «فنزويلا 1».
غير أن المحكمة باتت تواجه أزمة مركبة؛ قيادة هزّتها الإقالة، وعقوبات تعوق عمل قضاتها ومسؤوليها، ودول تنسحب وتسحب معها تعاونها السياسي والقضائي.
المحكمة الجنائية الجدولية.



0 تعليق