اتفاق مكة وهندسة الأمن الاستراتيجي العابر للقارات - وكالة البوصلة الإخبارية

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اتفاق مكة وهندسة الأمن الاستراتيجي العابر للقارات - وكالة البوصلة الإخبارية, اليوم الأحد 9 أغسطس 2026 08:16 مساءً

د. فيصل المطيري *

 

بصفتي متابعاً للشأن الاستراتيجي والأوروبي والدولي، يمكن النظر إلى توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه محطة مفصلية تعيد رسم خريطة التحالفات الأمنية الإقليمية والعالمية. فهذا التكتل الاستراتيجي لا يقتصر تأثيره على النطاق الجغرافي للدول الثلاث فحسب، وإنما يمثل هندسة أمنية جديدة تفرض نفسها بقوة على المعادلات الدولية، في مرحلة يعيد فيها العالم تشكيل توازناته.

 

الأبعاد الاستراتيجية والدولية للاتفاق

 

 

معادلة الردع الشامل

 

إن النص على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع" يرسخ دعامة ردع صلبة، شبيهة بمعاهدات الدفاع الجماعي الكبرى في النظام الدولي. ويؤدي هذا الترابط العسكري إلى رفع كلفة أي مغامرة عدائية في مناطق التوتر الحساسة.

 

التقاء القوى الكبرى في العالم الإسلامي

 

يجمع الاتفاق بين ثلاثة أركان استراتيجية كبرى: الثقل الاقتصادي والروحي للمملكة العربية السعودية، والقوة العسكرية والجيوسياسية لتركيا بعمقها الأوراسي والأطلسي، والقدرات النووية والكتلة السكانية لباكستان. وينتج من هذا التكامل قوة استقرار إقليمية وعالمية لا يمكن تجاوزها.

 

التحول نحو الأمن الذاتي

 

يعكس الاتفاق توجهاً استراتيجياً دولياً متنامياً نحو بناء منظومات أمنية إقليمية قادرة على حماية مصالحها بمعزل عن الاعتماد المطلق على المظلات الأمنية التقليدية، ما يعزز الاستقرار المستدام وفق رؤية الدول المعنية نفسها.

 

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، عقب توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك، 7 آب/أغسطس 2026. (مكتب رئيس الوزراء الباكستاني)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، عقب توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك، 7 آب/أغسطس 2026. (مكتب رئيس الوزراء الباكستاني)

 

دور ولي العهد السعودي في هندسة التوافق الدولي

 

من منظور ديبلوماسي واستراتيجي أوروبي، يُسجل للمهندس الفعلي لهذا الاتفاق، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، نجاحه المبهر وطويل الأمد في بلورة هذه التوجهات وتذليل التعقيدات الجيوسياسية على مدى فترة طويلة، وصولاً إلى تتويجها في مكة المكرمة.

وقد أثبت ولي العهد، من خلال هذا الإنجاز، براعة استثنائية في:

1. الديبلوماسية الهادئة وطويلة النفس: بناء جسور الثقة بين عواصم تتمتع بأوزان استراتيجية مختلفة، وتوجيهها نحو هدف أمني مشترك يخدم السلم العالمي.

2. البراغماتية السياسية: القدرة على تحويل الروابط التاريخية والأخوية إلى أطر مؤسسية وقانونية ملزمة للدفاع المشترك.

3. صناعة القرار الاستباقي: استباق التحديات الأمنية العالمية برؤية تؤسس لمنظومات ردع تحمي المنطقة والعالم من هزات الاضطرابات المتتالية.

إن "اتفاق مكة للدفاع المشترك" ليس مجرد معاهدة عسكرية تقليدية، وإنما هو "وثيقة استراتيجية دولية" تؤذن بميلاد محور جديد للاستقرار، يعيد صياغة مفاهيم الأمن الإقليمي والدولي، ويؤكد أن الرياض أصبحت مركزاً لصياغة القرارات الكبرى التي ترسم مستقبل الأمن والسلام في المنطقة، مع امتداداتها وتأثيراتها العالمية.

* المستشار الدكتور فيصل المطيري
   رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي
   سفير الكونغرس الدولي
   باحث القانون الدولي – جامعة كامبريدج

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق