نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الخطوط الجوية الكويتية: من مغامرة تجارية صغيرة إلى شركة مساهمة مملوكة للدولة - وكالة البوصلة الإخبارية, اليوم الأحد 19 يوليو 2026 12:42 مساءً
هناك شركات طيران خليجية وُلدت من رحم الثروة النفطية وانطلقت بأساطيل ضخمة منذ يومها الأول، وهناك من شقّت طريقها بصبر أطول، بين أزمات مالية وحروب وإعادة بناء. الخطوط الجوية الكويتية (Kuwait Airways) تنتمي إلى الفئة الثانية؛ فهي واحدة من أقدم ناقلات المنطقة، لكن مسارها لم يكن خطاً مستقيماً بل سلسلة من التحولات، وآخرها الموافقة التي أصدرها مجلس الوزراء الكويتي على تحويلها إلى شركة مساهمة مملوكة بالكامل للدولة، بعد رفع المشروع إلى أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح لاستكمال الإجراءات الدستورية، وفق ما أوردت "كويت تايمز".
بداية متعثرة برأسمال متواضع
بدأت القصة في شباط/فبراير 1953 على يد رجلي أعمال كويتيين، قبل أن تنطلق أولى الرحلات فعلياً في 16 آذار/مارس 1954 تحت اسم "شركة الخطوط الجوية الكويتية الوطنية المحدودة"، بوجهات محدودة شملت البصرة وبيروت ودمشق وعبادان. وبحسب الملف التعريفي الرسمي للشركة، بلغ رأسمالها التأسيسي مليوني روبية هندية، وهي العملة المتداولة في الخليج حينها، ما يعادل 150 ألف دينار كويتي وقت التأسيس.
لم تكن الانطلاقة سهلة؛ فبعد عام واحد فقط من التأسيس، تعثرت الشركة مالياً، وهو ما دفع الحكومة الكويتية إلى شراء 50% من رأسمالها في 1955 لضمان استمراريتها. لم يكن هذا التدخل كافياً لإنهاء الإشكالات، فاستحوذت الدولة على الحصة المتبقية بالكامل عام 1962، فتحوّلت الشركة من مشروع خاص متعثر إلى مؤسسة عامة تحمل صفة الناقل الوطني الرسمي لدولة الكويت. ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمها بمقر رئيسي في مدينة الكويت ومركز عمليات في مطار الكويت الدولي، وهو الترتيب الذي لم يتغير حتى اليوم.
إحدى طائرات الخطوط الكويتية (رويترز)
عقود من التوسع قبل اختبار قاسٍ
توسعت الشبكة تدريجياً على مدى العقود التالية؛ فبحلول أواخر السبعينيات كانت الشركة تشغّل أسطولاً من طراز بوينغ 707، ثم أضافت طائرات إيرباص A310 وA300-600 في منتصف الثمانينيات، وفق الملف التعريفي للشركة. رسّخت هذه المرحلة هوية الناقل الكويتي كشركة إقليمية متوسطة الحجم، تخدم عشرات الوجهات بين آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا الشمالية.
لكن أقسى فصل في مسيرة الشركة جاء مع الغزو العراقي للكويت عام 1990، حين خسرت جزءاً كبيراً من أسطولها ونُهبت منشآتها ودُمِّر الكثير منها، وتوقفت عملياتها بالكامل لفترة. أعادت الشركة بناء أسطولها وشبكة رحلاتها تدريجياً بعد التحرير، بخطى استغرقت سنوات قبل أن تستعيد موقعها كناقل إقليمي فاعل.
محطة الخصخصة التي لم تكتمل
في تشرين الأول/أكتوبر 2007، بدا أن الشركة على أعتاب تحوّل جوهري، حين أُعلن عن خطة لتحويلها من مؤسسة عامة إلى شركة مساهمة، شملت طرح 35% من الأسهم في مزاد لمستثمرين محليين وأجانب، و40% في اكتتاب عام للمواطنين الكويتيين، و20% لمؤسسات خاصة، و5% للموظفين. أقر مجلس الأمة الكويتي قانون هذا التحويل عام 2008، ثم عُدّلت أحكامه بموجب مرسوم بقانون رقم 22 لسنة 2012. لم يكتمل هذا المسار عملياً على النحو الذي رُسم له، وبقيت الشركة مؤسسة عامة حتى القرار الأخير.
أسطول يتجدد ببطء وثبات
يعكس أسطول الشركة اليوم فلسفة تحديث متأنية أكثر منها توسعاً سريعاً. يضم الأسطول الحالي طائرات بوينغ 777-300ER إلى جانب عائلة إيرباص الحديثة من طرازات A320neo وA321neo وA330-800neo وA330-900neo، مع استمرار تسلّم طائرات جديدة تركّز على خفض استهلاك الوقود وتحسين تجربة الركاب. تشير بيانات متخصصة إلى أن حجم الأسطول يقارب 30 طائرة نشطة، وهو رقم متوسط الحجم مقارنة بالناقلات الخليجية الكبرى.
عزّزت الشركة هذا التحديث ببرنامج تحوّل مؤسسي حمل اسم "يفوق الامتياز" (Beyond Excellence)، يركّز على التحول الرقمي وتحسين جودة الخدمة والاستدامة التشغيلية، في محاولة لمواكبة منافسة متصاعدة من ناقلات إقليمية أكبر وأكثر تمويلاً.
أرقام 2025 التي مهّدت للتحول
جاء التوجه الحكومي الأخير نحو إعادة الهيكلة مسنوداً بمؤشرات أداء إيجابية. أعلنت الشركة، في بيان نشرته عبر حساباتها الرسمية، أنها قلّصت خسائرها بنسبة 13.6% خلال عام 2025، بينما ارتفعت إيراداتها بنسبة 5% على أساس سنوي إلى نحو 430.2 مليون دينار كويتي (نحو 1.39 مليار دولار)، وفق سعر تحويل يبلغ نحو 3.24 دولار للدينار الكويتي.
قال عبدالوهاب الشطي، الرئيس التنفيذي للشركة، إن هذا النمو مدفوع بارتفاع الحصة السوقية وتحسّن معدل استغلال الطائرات وزيادة عدد المسافرين، رغم أن عدد طائرات الأسطول تراجع فعلياً بسبب برنامج التحديث وإعادة بعض الطائرات المستأجرة. وتُظهر صفحة مجلس الإدارة الرسمية على موقع الشركة أن الشطي يشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي بصفة دائمة، بعد أن عُيّن في أيار/مايو 2025 خلفاً لأحمد الكريباني.
حافظت الناقلة أيضاً على معدل انضباط تشغيلي تجاوز 90% طوال العام، مع خطط لاستلام طائرات إضافية من طراز A330-900 خلال المرحلة المقبلة. وأظهرت خطط الطوارئ الخاصة بالشركة قدرة على مواصلة عمليات الشحن والخدمات اللوجستية خلال فترات الاضطراب الإقليمي، بما في ذلك تحويل جزء من الرحلات إلى مطاري الدمام وجدة في المراحل الأولى من أي أزمة، بالتنسيق مع الجهات الحكومية الكويتية.
هوية جديدة دون تغيير في الملكية
المرحلة التي تدخلها الشركة اليوم لا تشكّل خصخصة بالمعنى الذي طُرح في 2007؛ فالدولة تبقى المالك الوحيد لكل الأسهم، لكن الشكل القانوني يتغير من مؤسسة عامة إلى شركة مساهمة تخضع لقانون الشركات، بمجلس إدارة وجمعية عامة وقواعد أوضح للحوكمة والرقابة المالية. عملياً، يعني ذلك مرونة أكبر في التعاقدات والتمويل والقرارات الاستثمارية، وفصلاً أوضح بين دور الدولة كمالك ودور الإدارة التنفيذية في تسيير العمل اليومي.
بعد أكثر من سبعة عقود من التشغيل، تبدو الخطوط الجوية الكويتية أمام محاولة جديدة لإعادة تعريف هويتها المؤسسية، ليس عبر بيع أسهمها هذه المرة، بل عبر تحديث أدواتها القانونية والإدارية بينما تحتفظ الدولة بمقود القرار الكامل.



0 تعليق