لماذا غابت الفنون التي صنعت ملامح حضارتنا؟ - وكالة البوصلة الإخبارية

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لماذا غابت الفنون التي صنعت ملامح حضارتنا؟ - وكالة البوصلة الإخبارية, اليوم السبت 1 أغسطس 2026 11:25 صباحاً

 

حين نتابع كثيراً من الفعاليات والندوات الثقافية نلاحظ أن الحديث عن الفن ينصرف غالباً إلى الرواية والقصة والشعر دوالغناء وبعض أشكال التعبير الأدائي حتى أصبح المشهد الثقافي وكأنه لا يتسع إلا لهذه المجالات ومع أهمية الأدب ودوره في تشكيل الوعي فإن حصر الفن في نطاق محدود جعل فنوناً أخرى تتراجع إلى الهامش رغم أنها أسهمت عبر القرون في صنع ملامح حضارتنا وحفظ هوية مجتمعاتنا.
فأين الرسم والخط والعمارة والنقش والزخرفة؟ وأين الحرف اليدوية التي صنعت تفاصيل البيوت والأسواق والمساجد والملابس والأدوات؟ ولماذا أصبح حضور هذه الفنون في بعض المناسبات أقرب إلى الزينة المصاحبة للفعالية بدل أن تكون موضوعاً ثقافياً قائماً بذاته يُناقش تاريخه وتُدرس تحوّلاته ويُعرّف الناس برواده؟
المشكلة ليست في الاهتمام بالرواية أو القصة أو الشعر فهذه مجالات مهمة ولا يكتمل المشهد الثقافي من دونها إنما المشكلة في أن يتكرر تقديمها حتى تبدو وكأنها التمثيل الوحيد للثقافة بينما تبقى الفنون التي صنعت صورة المكان وذاكرة المجتمع بعيدة عن النقاش والبحث والتوثيق
لقد تركت الحضارة الإسلامية آثارها في مجالات متعددة ولم يكن حضورها قائماً على الكتب والنصوص وحدها فقد عبّر المسلمون عن رؤيتهم للجمال من خلال عمارة المساجد والمدارس والبيوت ومن خلال الخط العربي والزخارف والنقوش وصناعة المخطوطات والأبواب والأواني والمنسوجات ولم تكن هذه الأعمال إضافات تجميلية منفصلة عن الحياة بل كانت جزءاً من رؤية حضارية تجمع بين الجمال والمنفعة وبين المهارة والقيمة وبين حاجة الإنسان المادية وارتباطه الروحي
حين نتأمل مسجداً تاريخياً فإننا لا نشاهد بناءً قديماً فحسب بل نقرأ تصوراً كاملاً عن مكانة العبادة والعلم واجتماع الناس وحين ننظر إلى مخطوطة كُتبت بعناية وزُخرفت صفحاتها فإننا ندرك مقدار التقدير الذي حظي به العلم والكتاب وحتى الأبواب والنوافذ والأواني والأثاث لم تكن تُصنع لأداء وظيفتها فقط بل كانت تحمل ذائقة المجتمع وملامح بيئته ومهارة أبنائه
وقد تميزت مناطق بلادنا بأنماط معمارية وحرفية مختلفة نشأت من تفاعل الإنسان مع دينه وبيئته واحتياجاته فلكل منطقة تفاصيلها في البناء والزخرفة والملابس والصناعات اليدوية ولم يكن هذا التنوع عامل تفرّق بل كان ثراءً داخل هوية جامعة يكشف قدرة المجتمع على التعبير عن نفسه بوسائل متعددة
لكن كثيراً من هذه الفنون بدأ يفقد مكانه الطبيعي في حياتنا لم يعد البناء في أحيان كثيرة يعكس شخصية المكان وأصبحت التصاميم تتكرر من مدينة إلى أخرى فيما تراجعت الحرف اليدوية أمام المنتجات الجاهزة ومع رحيل عدد من الحرفيين وكبار السن ضاعت أسرار مهن وتجارب لم تجد من يوثقها أو ينقلها إلى الجيل التالي
ولا يعود ذلك إلى تغير الزمن وحده كما قد يقال بل إلى تغير نظرتنا إلى هذه الفنون فقد تعاملنا مع بعضها بوصفها بقايا من الماضي تصلح للعرض في المهرجانات والمتاحف لا مجالات قابلة للتطوير والإنتاج واختزلنا الحرفي أحياناً في شخص يقدم مشهداً تراثياً للزوار مع أنه يحمل معرفة متراكمة ويمثل حلقة في سلسلة طويلة من تاريخ المجتمع
وهنا يظهر أحد أسباب الغياب: لقد فصلنا هذه الفنون عن معناها الثقافي نعرض القطعة اليدوية لكننا لا نروي قصة صانعها نرمم المبنى القديم لكننا لا نشرح فلسفة تصميمه وعلاقته بحياة الناس نحتفي بالخط العربي في مناسبة عابرة ثم لا نجعله حاضراً في التعليم والفضاء العام وهكذا تبقى الصورة موجودة بينما يتراجع معناها
كما أسهمت بعض الفعاليات الثقافية في تكريس هذا الاختزال حين حصرت برامجها في أسماء ومجالات متكررة وأغفلت المعماري والخطاط والرسام والنقاش والحرفي وربما يعود ذلك إلى سهولة تنظيم اللقاءات الحوارية مقارنة بالمعارض والورش التطبيقية لكن سهولة التنظيم لا ينبغي أن تصبح معياراً لتحديد ما يستحق الحضور الثقافي
إن الفنون التي صنعت ملامح حضارتنا ليست أقل قيمة من الفنون الأدبية لكنها تحتاج إلى طريقة مختلفة في التقديم فهي لا تكتفي بمنصة ومتحدث بل تحتاج إلى عرض حي وورش تدريب وتوثيق مرئي ودراسة للمواد والتقنيات وربط بين الحرفيين والمصممين والباحثين والمؤسسات التعليمية ومن دون هذا الجهد ستبقى حاضرة بوصفها ذكرى لا بوصفها مجالاً قادراً على التطور والاستمرار
ولا يعني إحياء هذه الفنون أن نعيد إنتاج الماضي كما كان أو أن نحول مدننا إلى نسخ من البيوت القديمة فالهوية الحقيقية لا تعادي التجديد وإنما تمنحه أساساً ينطلق منه يستطيع المعماري المعاصر أن يستفيد من خصائص البناء المحلي من دون أن يقلده كما يستطيع المصمم أن يوظف النقوش والزخارف في منتجات حديثة ويستطيع الحرفي أن يطوّر أدواته مع احتفاظه بروح الصنعة وأصالتها
وقد تكون أمامنا فرصة اقتصادية وثقافية كبيرة لا نلتفت إليها بما يكفي فالحرف اليدوية والتصميم المحلي وترميم المباني التاريخية ليست أنشطة رمزية فقط بل مجالات للعمل والإنتاج والسياحة والتعليم وعندما ندعمها فإننا لا نحفظ الماضي وحده بل نفتح أبواباً جديدة للمستقبل ونمنح الشباب فرصة للعمل داخل ثقافتهم بدل أن تبقى الهوية مجرد كلمات تردد في المناسبات
كما أن لهذه الفنون دوراً مهماً في تقوية العلاقة داخل المجتمع فالحرفة تنتقل بالتعلم المباشر بين الأجيال والعمل الفني يجمع المعلم بالمتدرب والمبنى المحلي يربط الإنسان بمكانه والمنتج اليدوي يحمل أثر صاحبه وقصة بيئته وحين تُستعاد هذه الروابط يصبح الانتماء تجربة يعيشها الإنسان لا شعاراً يسمعه فقط
إن مسؤولية إعادة هذه الفنون إلى المشهد لا تقع على جهة واحدة فالمؤسسات الثقافية مطالبة بتوسيع مفهومها للفن والجامعات مدعوة إلى البحث والتوثيق والمدارس قادرة على تعريف الطلاب بالحرف والفنون المحلية ووسائل الإعلام تستطيع تقديم الحرفيين والفنانين بوصفهم أصحاب معرفة وتجربة لا مجرد شخصيات تظهر في المناسبات التراثية
أما المجتمع فعليه أن يعيد النظر في قيمة العمل اليدوي لقد أصبحت بعض الأسر تدفع أبناءها بعيداً عن الحرف ظناً منها أنها مهن تنتمي إلى زمن مضى بينما تحتفي مجتمعات أخرى بحرفييها وتحول مهاراتهم إلى منتجات ذات قيمة ثقافية واقتصادية عالية وما لم تتغير هذه النظرة فسوف نفقد مزيداً من الخبرات ثم ننفق لاحقاً أضعاف ما كان يلزمنا لحفظها
إن السؤال ليس: هل نحتفظ بالماضي أم نتجه إلى المستقبل؟ فهذا طرح غير دقيق لأن الأمة التي تعرف كيف تصون ذاكرتها تكون أقدر على صناعة مستقبلها والسؤال الأهم هو: كيف نحمل روح هذه الفنون معنا ونمنحها مساحة للإبداع والتطور من غير أن نفصلها عن القيم التي أنشأتها والبيئة التي منحتها خصوصيتها؟
لقد غابت كثير من الفنون التي صنعت ملامح حضارتنا لأننا ضيقنا مفهوم الثقافة وفصلنا الفن عن الحياة وتعاملنا مع بعض موروثنا بوصفه مادة للعرض لا معرفة تستحق أن تُنقل وتُطوّر وإعادتها لا تكون بكثرة الحديث عنها بل بإدخالها في التعليم والتصميم والبناء والإنتاج ومنح أصحابها المكانة التي يستحقونها
فالحضارة لا تُعرف بما كتبه أبناؤها فقط بل بما بنوه ورسموه ونقشوه وصنعته أيديهم وإذا أردنا أن يعرف الجيل القادم من نحن فعلينا ألا نقدم له تاريخنا في الكتب وحدها بل نجعله يراه في عمارتنا ويقرأه في خطوطنا ويلمس أثره في صناعاتنا ويشعر بحضوره في تفاصيل حياته

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق