نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
القائمة الطويلة لبوكر الدولية 2026... ثلاثة عشر وجهاً لقلق الإنسان المعاصر - وكالة البوصلة الإخبارية, اليوم الجمعة 7 أغسطس 2026 09:51 صباحاً
لم تكن القائمة الطويلة لجائزة بوكر لعام 2026 مجرد لائحة بأفضل ثلاثة عشر عملاً روائياً كُتب بالإنكليزية خلال العام، بقدر ما بدت خريطة للأدب العالمي وهو يعيد تعريف أسئلته الكبرى. فمن بين 163 رواية، اختارت لجنة التحكيم أعمالاً تلتقي عند هاجس واضح: الإنسان الذي فقد يقينه بالعالم، ويحاول أن يعثر على معنى جديد للوجود وسط انهيار اليقينيات القديمة.
يكاد القارئ يلاحظ منذ النظرة الأولى أن هذه الروايات لا تحتفي بالبطولة التقليدية ولا بالحبكات الصاخبة، بل تنحاز إلى الشخصيات الهشة، وإلى البشر الذين يعيشون على حافة الفقد والمنفى والمرض والشيخوخة والعنف والذاكرة. حتى الأعمال التي تنتمي إلى الخيال العلمي أو الرواية التاريخية أو البوليسية لا تستخدم هذه الأنواع بوصفها غاية، وإنما وسيلة للتأمل في أسئلة أكثر عمقاً: ماذا يبقى من الإنسان عندما تتداعى المؤسسات؟ وهل الذاكرة خلاص أم عبء؟ وأين تنتهي الحقيقة ويبدأ الخيال؟
من هنا تبدو القائمة الطويلة وكأنها إعلان عن مرحلة جديدة في الرواية العالمية. مرحلة تتراجع فيها الرواية الواقعية الصرفة لمصلحة كتابة هجينة تمزج الفلسفة بالفانتازيا، والتاريخ بالأسطورة، واليومي بالغرائبي.
تبدأ هذه الرحلة مع "ظل الشيء" ( The Shadow of the Object) للكاتبة المكسيكية البريطانية كلوي أريدجيس، حيث تتحول إصابة عابرة في مستشفى بمدينة مكسيكو إلى رحلة داخل الوعي الإنساني. فالصداقة والحزن والخيال ليست عناصر سردية فحسب، بل أدوات لاكتشاف أن أكثر الحقائق عمقاً قد تكون كامنة في الظلال، لا في الضوء.
وفي "سويتزي" ( Switzy) لإيما كلاين، يصبح الطريق إلى عيادة للموت الرحيم في زيورخ مناسبة لإعادة تقييم حياة رجل أعمال ثري يعاني الخرف. هنا لا تنشغل الرواية بالموت بقدر انشغالها بما يتبقى من الإنسان عندما تتلاشى السلطة والثروة والنجاح الاجتماعي. إنها رواية عن هشاشة المجد الفردي أكثر مما هي عن نهايته.
أما "هيلين من اللامكان" (Helen of Nowhere ) لماكينا غودمان فتقترح شكلاً أقرب إلى المسرح الفلسفي، إذ يقود منزل ريفي أستاذاً جامعياً فقد حياته السابقة إلى مواجهة سؤال العودة إلى الطبيعة وإعادة بناء الذات. إنها رواية تبحث عن الخلاص الفردي في زمن فقدت فيه المدن قدرتها على منح الإنسان معنى مستقراً.
وفي "نهاية كل شيء" (The End of Everything ) يقدّم إم. جون هاريسون رواية ديستوبية تدور في عالم ما بعد الكارثة، حيث تغدو الكائنات الغامضة والبحار المتحوّلة استعارة عن حضارة لم تعد تعرف كيف تفسّر انهيارها. اللافت أن الرواية لا تشرح الكارثة بقدر ما تجعل القارئ يعيش آثارها النفسية، وكأن النهاية الحقيقية ليست نهاية العالم، بل نهاية قدرتنا على فهمه.
روايات ضمن القائمة ال13 للبوكر
ويعود مارلون جيمس في "المختفون" ( The Disappearers) إلى جامايكا الثمانينيات، لكن ليس ليستعيد التاريخ، بل ليكشف منطقة ظل طالما تجنبتها الرواية الكاريبية: حياة المثليين في مجتمع عنيف. يبدأ العمل بجريمة قتل، لكنه يتحول تدريجياً إلى رواية عن الذاكرة والهوية والعنف الاجتماعي، حيث يصبح البحث عن المفقودين بحثاً عن الاعتراف بالإنسان نفسه.
أما "الحقيبة السوداء" للوك كينارد فتقدم واحدة من أكثر الأفكار غرابة في القائمة. ممثل يقبل المشاركة في تجربة جامعية وهو داخل حقيبة سوداء ضخمة. خلف هذا العبث الظاهري تكمن سخرية لاذعة من الرجولة المعاصرة، ومن اقتصاد المنصات الرقمية، ومن الإنسان الذي يتحول تدريجياً إلى موضوع للمراقبة أكثر منه ذاتاً مستقلة.
وفي "الترميم" ( The Renovation) للتركي الأميركي كينان أورهان يتحول إصلاح حمام منزل إلى اكتشاف زنزانة تركية تؤدي حرفياً إلى سجن في إسطنبول. إنها واحدة من أكثر روايات القائمة قدرة على مزج الواقعية السحرية بالسياسة، إذ يصبح السجن استعارة للمنفى، وللخرف، وللأوطان التي تستمر في ملاحقة أبنائها حتى بعد مغادرتها.
وتعيد ريبيكا بيري في "هل نطعم الملك؟" ( May We Feed the King) مساءلة التاريخ نفسه، عبر التوازي بين قيّم متحف معاصر وملك من العصور الوسطى. ليست القضية هنا إعادة كتابة الماضي، بل التشكيك في الرواية التاريخية ذاتها، وفي الحدود بين الوثيقة والتخييل، وبين ما حدث فعلاً وما نحب أن نصدقه عن الماضي.
أما "بيت النخيل" (The Palm House) لغويندولين رايلي فيكتفي بعالم محدود من الأصدقاء والحوارات الطويلة والحزن الصامت ليبرهن أن الرواية ليست بحاجة إلى أحداث كبرى كي تكشف عزلة الإنسان. وفي الاتجاه نفسه تمضي إليزابيث ستراوت في "الأشياء التي لا نقولها أبداً"، حيث يتحول مدرس تاريخ يعيش حياة تبدو مستقرة إلى مرآة للخسارات الصامتة التي تختبئ داخل الأسر العادية.
ويعود دوغلاس ستيوارت في "جون ابن جون" إلى الأسرة والدين والعار والهوية الجنسية داخل مجتمع اسكتلندي محافظ، بينما يغوص جمال وايت في "كل تلك الكلاب" داخل عالم العصابات في دبلن، ليكشف أن أكثر الرجال عنفاً يحملون هشاشة إنسانية لا تقل عن ضحاياهم. أما "المشرحون" ( The Vivisectors) لميسوري ويليامز فتختتم القائمة برواية تجريبية تجعل الجامعة نفسها ساحة للصراع على الحقيقة والسلطة والهوية، في عالم تتداخل فيه النباتات مع البشر، والواقعية مع الكابوس.
ما الذي يجمع هذه الروايات؟
تكشف اختيارات لجنة التحكيم أن القيمة الأدبية لم تعد تُقاس بموضوع الرواية وحده، بل بقدرتها على ابتكار شكل يوازي تعقيد العالم الذي تصفه. لذلك حضرت أعمال تمزج بين الرواية التاريخية والفانتازيا، وبين الديستوبيا والتأمل الفلسفي، وبين السخرية السوداء والواقعية النفسية، في إشارة إلى أن الرواية المعاصرة لم تعد تعترف بالحدود الصارمة بين الأنواع الأدبية.
ومن اللافت أيضاً أن معظم الروايات تتجنب الخطاب السياسي المباشر، لكنها لا تتجاهل السياسة. فالسياسة تظهر عبر المنفى، والسجون، والعنف، والذاكرة، والهوية، والانهيار البيئي، والسلطة الأبوية، لا عبر الشعارات. إنها كتابة ترى أن الرواية لم تعد معنية بتفسير العالم، بل بكشف التشققات التي يعيشها الإنسان داخله.
هل انتهى عصر الرواية الواقعية؟
ما يميّز معظم روايات بوكر 2026 ليس انشغالها بقضايا غير مسبوقة، بل إعادة تعريف علاقتها بهذه القضايا. فالذاكرة لم تعد مجرد استعادة للماضي، والمنفى لم يعد عبورا بين جغرافيتين، والسلطة لم تعد إطاراً سياسياً فحسب، بل أصبحت جميعها أدوات لإعادة تشكيل الزمن واللغة ومنظور الراوي. وهنا يكمن التحول الأعمق: انتقال الرواية من تمثيل الواقع إلى مساءلة الكيفية التي يُصاغ بها هذا الواقع سرديا.
بهذا المعنى، تبدو القائمة الطويلة انعكاساً لتحول أعمق في الأدب العالمي، إذ لم يعد السرد يسعى إلى بناء سردية مكتملة عن العالم، بل إلى كشف تشظيه واستعصائه على الفهم النهائي. إنها روايات لا تمنح القارئ يقيناً، ولا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تصحبه إلى مناطق الالتباس، حيث تتحول الأسئلة إلى قيمة جمالية في ذاتها، ويغدو الشك أحد أكثر أشكال المعرفة الإنسانية صدقاً.



0 تعليق