نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين يحجب الاعتياد المعجزة - وكالة البوصلة الإخبارية, اليوم الأربعاء 12 أغسطس 2026 08:33 صباحاً
ربما لا تكمن المشكلة في أننا لم نعد نرى المعجزات، بل في أننا لم نعد نسأل عنها. فالإنسان لا يفقد دهشته من الأشياء لأنها أصبحت أقل إدهاشًا، وإنما لأنها أصبحت مألوفة؛ وما نراه كل يوم يتوقف، شيئًا فشيئًا، عن إثارة السؤال في داخلنا. نراه، فنعرفه، ثم نعتاده، ثم نمر عليه دون أن نتوقف عند المعنى الكامن وراء وجوده. وهنا يؤدي الاعتياد أخطر أدواره: إنه لا يحجب الشيء عن العين، بل يحجب السؤال عنه.
تأمل وجه الإنسان: عينان، وأنف، وفم، وأذنان، وجبهة، وملامح محدودة في مساحة صغيرة، ومع ذلك ينتج هذا التكوين تنوعًا هائلًا في الوجوه. قد تتشابه الوجوه، لكننا نستطيع في الغالب أن نتعرف إلى أصحابها من ملامحهم قبل أن ينطقوا بأسمائهم. والسؤال ليس: كيف لا تتكرر الوجوه؟ فذلك لا يصح تقديمه حقيقةً علميةً مطلقة، بل السؤال الأعمق: كيف اعتدنا هذا كله؟ كيف أصبح وجود إنسان آخر أمامنا أمرًا عاديًا، مع أن كل إنسان يحمل في وجهه وجسده ووعيه قصة لا تتكرر بالطريقة نفسها؟..
نحن لا نرى الأشياء فقط، بل نراها من خلال عاداتنا. والاعتياد، مع الوقت، يجعل المألوف غير جدير بالسؤال. نتنفس دون أن نتأمل نعمة التنفس، ونرى دون أن نتساءل عن الرؤية، ونستيقظ كل صباح فنجد العالم في مكانه، فنفترض أن وجوده أمر طبيعي لا يحتاج إلى سؤال. أكثر الأشياء حضورًا في حياتنا قد تكون أقلها حضورًا في وعينا. فالطفل يندهش من المطر والقمر والفراشة، لا لأن العالم كان أجمل في طفولته، بل لأن الأسئلة كانت لا تزال حيّة في داخله. أما نحن، فقد تعلمنا أسماء الأشياء، فظننا أننا عرفناها. مع أن معرفة الاسم ليست معرفة المعنى. قد تقول: «هذا إنسان»، ثم تنتهي عند الاسم؛ وقد تسأل: كيف اجتمع في هذا الكائن الجسد والوعي والذاكرة والإرادة والمشاعر؟ عندها يتحول الشيء إلى سؤال، ويصبح السؤال بداية الدهشة.
وحين لا تتوقف الدهشة عند جمال المخلوق، يمكن أن تفتح الطريق إلى سؤال أعظم: من الذي أوجد هذا كله؟ وهنا يصبح التأمل في الإنسان أكثر من تأمل في الجسد. يقول الله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. تأمل السؤال: «أفلا تبصرون؟» كأن المشكلة ليست دائمًا في غياب الآية، وإنما في غياب البصيرة التي تراها. الإنسان نفسه أمامك؛ وجهه، وجسده، وحياته، وأنت نفسك تحمل في داخلك ما يستحق عمرًا من التأمل. ثم يقول سبحانه: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. ولا تحتاج الآية إلى أن تتحول إلى إثبات علمي لنظرية عن الوجوه؛ يكفي معناها الأعمق: أن الصورة التي اعتدناها حتى لم نعد نفكر فيها هي في أصلها جزء من الخلق والتقدير. لقد اعتدنا أنفسنا إلى درجة أننا نسينا أن نسأل عنها.
ثم يقول سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. في الآفاق وفي الأنفس. كأن الطريق إلى معرفة الحق لا يمر دائمًا عبر الأشياء البعيدة؛ أحيانًا يبدأ من أقرب نقطة ممكنة: منك أنت. من عينك التي ترى، ومن عقلك الذي يسأل، ومن قلبك الذي يشعر، ومن هذا الوجه الذي اعتدت أن تراه في المرآة. وهنا يظهر الفرق بين النظر والبصر؛ فقد تنظر إلى الشيء آلاف المرات ولا تراه حقًا، وقد تراه مرة واحدة بطريقة تجعلك غير قادر على العودة إلى رؤيته كما كنت. ليست المشكلة إذن أن المعجزات اختفت؛ إنها ما زالت في السماء، والأرض، وأجسادنا، ووجوه الآخرين، وتفاصيل الحياة التي نمر عليها كل يوم. لكن الاعتياد جعلها خلفية، وجعل السؤال يبدو زائدًا، مع أن الإنسان ربما لا يبدأ في فهم العالم إلا حين يستعيد حقه في السؤال: لماذا؟ وكيف؟ ومن الذي جعل الموجود موجودًا؟..
ولذلك فالمشكلة ليست أننا فقدنا القدرة على رؤية المعجزات؛ المشكلة أننا فقدنا القدرة على طرح الأسئلة على الأشياء التي اعتدنا وجودها. وربما لا نحتاج دائمًا إلى البحث عن شيء جديد كي نشعر بالدهشة، بل نحتاج فقط إلى أن ننظر إلى الشيء القديم بعين جديدة. أن ترى وجه أمك كما لو أنك تراه للمرة الأولى، وأن تسمع صوت من تحب كما لو أنك اكتشفته الآن، وأن تنظر إلى السماء دون أن تقول: «رأيتها كثيرًا». فكثرة الرؤية ليست دليلًا على أن الشيء عادي؛ إنها أحيانًا دليل على أننا لم نعد نراه.
وربما لهذا فإن استعادة الدهشة ليست عودة إلى الطفولة، بل عودة إلى الوعي: أن نتعلم من جديد كيف نسأل عن الأشياء التي ظننا أننا نعرفها، وكيف نجعل السؤال يسبق الحكم، والدهشة بدايةً لا نهاية. فإذا لقيت إنسانًا غدًا، فلا تنظر إلى وجهه باعتباره مجرد وجه؛ توقف لحظة، وانظر، ثم اسأل نفسك: كيف مررت بكل هذه الوجوه طوال حياتي، ولم أتوقف إلا قليلًا أمام حقيقة أن الإنسان نفسه يستحق التأمل؟ ربما عندها تكتشف أن الآيات لم تكن بعيدة، وأن المعجزة لم تكن مختبئة، وأن العالم لم يصبح عاديًا في أي وقت؛ الذي تغيّر هو أننا اعتدناه.







0 تعليق